استمع للقرآن الكريم

اقوال السلف

0 التعليقات

اعمال يوم الجمعة

0 التعليقات

مفاتيح التدبر

0 التعليقات

العزة

0 التعليقات
الحمد لله ذي العزة التي لا ترام، والملك الذي لا يضام، قيوم لا ينام، وعزيز ذو انتقام، وأشهد ألا إله إلا البر السلام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خيرة الأنام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم أزكى سلام.

أما بعد، فاتقوا الله - عباد الله -، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [البقرة: 278].

أيها المؤمنون!
إن الشعور بالدونيّة والهزيمة النفسية شر هزيمة تُمْنى بها أمة؛ تفت عضدها، وتفلّ حدها، وتغيّب قُدَرَها، وتجرّئ عُداتها، ولا تقوم معه للحق قائمة. وذا ما يعارض إرادة العز لأمة الإسلام، وقدره الذي ارتضاه الله لها بقوله: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المنافقون: 8]؛ مهما بلغ قرحها وغار جرحها واستشرس عدوها ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139]؛ حتى غدا سنام العز لأهل الإيمان شعاراً ودثاراً، يصف ذلك الحالَ إبراهيمُ النخعي بقوله: " كَانُوا يكْرهُونَ للْمُؤْمِنين أَن يُستذلوا؛ فيجترئَ عَلَيْهِمُ الْفُسَّاق ".

العزة حقيقة متى استقرت في القلب قوّته؛ فاستعلى بها على كل أسباب الذلة والانحناء لغير الله، وهي منزلة شريفة تنشأ عن معرفة المرء بقدر نفسه وإكرامها عن الضراعة للأغراض والأعراض الدنية؛ فيترفّع بها عما يُلحِقه غضاضةً. وليس ذلك من الكبر في شيء؛ إذ الكبر جهل بقدر النفس وإنزال لها فوق منزلتها؛ ولهذا لما قيل للحسن البصري - رحمه الله -: ما أعظمك في نفسك! فقال: لست بعظيم، ولكني عزيز.

أيها المسلمون!
لقد أكّد الله - سبحانه - استئثاره بالعزة جميعاً في ثلاث آيات من كتابه العزيز؛ فلن يجدها إلا من يتولاه، ويطلبها عنده، ويرتكن إلى حماه، يقول الله - تعالى -: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾ [فاطر: 10]، قال أبو بكر الشبلي: " من اعتز بذي العز فذو العز له عَزَّ "، وقال رجل للحسن: إني أريد السِّند؛ فأوصني، قال: أعزَّ أمرَ الله حيث ما كنت يعزَّك الله، قال: فلقد كنت بالسند وما بها أحد أعزُّ مني".
وَإِذَا تَذَلَّلَتِ الرِّقَابُ تَخَشُّعًا
مِنَّا إِلَيْكَ فَعِزُّهَا فِي ذُلِّهَا

ولما كانت العزة لله، وهو ربها؛ صار سبيلها مقطوعاً إلا من سبيله؛ فلا تطلب إلا منه. وأعظم سبيل لتحصيلها: الإيمان بالله - جل وعلا -، وبقدر ما حقق العبد من الإيمان يكون حظه من العزة، كما قال الله - سبحانه -: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [المنافقون: 8]؛ إذ بالإيمان تكون ولاية الله التي لا يذل بها متمسّك ، ولا يعز بتركها عادٍ، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ " رواه أبو داود وصححه العراقي. قال طارق بن شهاب - رضي الله عنه -: " خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ وَمَعَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فَأَتَوْا عَلَى مَخَاضَةٍ وَعُمَرُ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَنَزَلَ عَنْهَا وَخَلَعَ خُفَّيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَلَى عَاتِقِهِ، وَأَخَذَ بِزِمَامِ نَاقَتِهِ فَخَاضَ بِهَا الْمَخَاضَةَ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْتَ تَفْعَلُ هَذَا؟! تَخْلَعُ خُفَّيْكَ وَتَضَعُهُمَا عَلَى عَاتِقِكَ، وَتَأْخُذُ بِزِمَامِ نَاقَتِكَ، وَتَخُوضُ بِهَا الْمَخَاضَةَ؟! مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ اسْتَشْرَفُوكَ، فَقَالَ عُمَرُ: «أَوَّهْ! لو لَمْ يَقُلْ ذَا غَيْرُكَ أَبَا عُبَيْدَةَ لجَعَلْتُهُ نَكَالًا لَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-؛ إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ؛ فَمَهْمَا نَطْلُبُ الْعِزَّةَ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللَّهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ» " رواه الحاكم وصححه على شرط البخاري ومسلم ووافقه الذهبي. ومن أجلى حقائق الإيمان التي تكمن فيها العزة حسن الطاعة والاستجابة لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " جُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي " رواه أحمد وصححه الألباني، ويقول سفيان الثوري: "كَانَ يُقَالُ: مَنْ أَرَادَ عِزًّا بِلا عَشِيرَةٍ، وَهَيْبَةً بِلا سُلْطَانٍ؛ فَلْيَخْرُجْ مِنْ ذُلِّ مَعْصِيَةِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - إِلَى عِزِّ طَاعَتِهِ ". وأنى لمن كبّر الله حال أذانه وصلاته ونسكه ونحره وتعجّبه، وكان ذلك التكبير أول ما طرق سمعه حين ولادته - أن يذل لغيره!
ألا إنما التقوى هي العز والكرم
وحبك للدنيا هو الذل والسقم
وليس على عبد تقي نقيصة
إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم

يقول الحسن البصري: " مَنْ تَعَزَّزَ بِالْمَعْصِيَةِ أَوْرَثَهُ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الذِّلَّةَ، وَلا يَزَالُ الْعَبْدُ بِخَيْرٍ مَا كَانَ لَهُ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِهِ "، ويقول عن المنعَّمين الفجرة: " إِنَّهُمْ وَإِنْ طَقْطَقَتْ بِهِمُ الْبِغَالُ، وَهَمْلَجَتْ بِهِمُ الْبَرَاذِينُ، إِنَّ ذُلَّ الْمَعْصِيَةِ لَا يُفَارِقُ قُلُوبَهُمْ، أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُذِلَّ مَنْ عَصَاهُ". ألا وإن من أجل الطاعات التي رُتِّب على فعلها تحققُ العزة وعلى تركها الذلة الجهادَ في سبيل الله، يقول الله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 54]، ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إِذا تبايعتم بالعينة (نوع من الربا)، وأخذتم أَذْنَاب الْبَقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الْجِهَاد؛ سلّط الله عَلَيْكُم ذلاً لَا يَنْزعهُ حَتَّى ترجعوا إِلَى دينكُمْ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وصححه الألباني. والجهاد طريق نخوة المؤمنين المستضعفين ونجدتهم، وَمن كَانَت النجدة طبعا لَهُ حدثت فِيهِ عزة، فكيف إن كان الباعث لها ديناً.

عباد الله!
والاستغناء عن الناس من جوادّ العزة؛ فإنما تُذِلُّ الناسَ شهواتُهم ورغباتُهم، ومخاوفُهم ومطامُعهم، أوصى جبريل - عليه السلام - النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " يا محمد، شرف المؤمن قيام الليل، وعزُّه استغناؤه عن الناس " رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. قال حكيم: " مَنْ غَرَسَ الزُّهْدَ اجْتَنَى العِزَّةَ، وَمَنْ غَرَسَ الحِرْصَ اجْتَنَى الذِّلَّةَ، وَمَنْ غَرَسَ الطَّمَعَ اجْتَنَى الخِزْيَ ". قدم البصرةَ أعرابيٌّ فقال لخالد بن صفوان: أخبرني عن سيد هذا المصر، قال: هو الحسن بن أبي الحسن (البصري)، قال: عربي أم مولي؟ قال: مولى، قال: وبم سادهم؟ قال: احتاجوا إليه في دينهم، واستغنى عن دنياهم، فقال الأعرابي: كفى بهذا سؤدداً! قال عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: « لَا يَنْبَغِي لِمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى، وَرُزِقَ بِالْوَرَعِ، أَنْ يَذِلَّ لِصَاحِبِ الدُّنْيَا ».
أرى الناس من دانهم هان عندهم
ومن أكرمته عزة النفس أُكرِما

أيها الإخوة في الله!
والعفو المحمود عن المسيء من سبل نيل العزة، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً " رواه مسلم، وظاهر الحديث: أَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ سَادَ وَعَظُمَ فِي الْقُلُوبِ وَزَادَ عِزُّهُ وَإِكْرَامُهُ، قال إبراهيم النخعي واصفاً حال السلف: « كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا، فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا ». والصبر والثبات طريق للظفر بحلة العز، قال الله - تعالى -: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146]. ومن أجل سبل العزة العياذ بالله من وصم الذلة؛ فقد كان ذاك دعاءَ النبي - صلى الله عليه وسلم - الغالب، قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: " كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: "اللهُمَّ إِنِّي أَعوذُ بِك مِن الفَقر والقِلة والذِّلة، وأَعوذُ بِك أنْ أَظلِم أَو أُظلَم " رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني.

الخطبة الثانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله..
وبعد، فاعلموا أن أحسن الحديث كتاب الله....

أيها المؤمنون!
بالعزة عيش الكرامة، وقناعة السرور، ورضا الميسور، ونيل الحقوق، وإباء الاهتضام، والسمو عن الدنايا، والثبات على راسخ المبادئ، والحدب على المؤمنين، وهيب العِدى، والحمل على حسن التربية والاقتداء، والنصر على النفس الهلوع المنوع، والظفر بمحبة الله خير من ذلك كله. غير أن العزة لا تحمل المؤمن على تحمّل ما لا يطيق من البلاء، والعاقل خصيم نفسه؛ فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه "، قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: " يتعرض من البلاء ما لا يطيق " رواه الترمذي وقال: حسن غريب وهو في الصحيحة.

وبعد - معشر المؤمنين -، دونكم مهيع العز الشامخ ومعقد لوائه الأشم؛ فتوشحوا به، وارفعوا رايته، واسلكوا سبله، وربّوا على منهجه الأبيّ أهلَ بيوتكم ومن ولّاكم الله مسؤوليته؛ فالمرء على ما اعتاد، والأمةُ اليومَ أحوجُ ما تكون إلى ذلك، وقد تكالب عليها العداة، وانبهر الكثير بتفوق الكفرة، وتبدّت صور الانهزامية، وتباينت سبل الاعتزاز، وبوارق الأمل لاحت بالفجر الصادق المبدّد لحنادس الظُلَم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

الحض على طلب الرزق وتعاطي أسبابه

0 التعليقات
يا أيها الناس، أُوصيكم ونفسي بتقوى الله، والسعي في رضاه، والشكر له تعالى على سابغ نعماه، وأن يتوبَ كلُّ واحدٍ منا مما اقترَفه وجناه، فتِلْكُم الخِصال جماع أسباب السعادة، ومُوجبات الحُسنى والزيادة، وجالبات الرزق المبارك وكريم الإفادة.

عباد الله:
طلب الرزق فِطرةٌ فطَر الله - تبارك وتعالى - عليها الخَلق، ولقد يسَّر الله - سبحانه وتعالى - وكثَّر أسباب الرزق، وحثَّ - سبحانه وتعالى - على الْتِماسها وتقواه فيها بقوله الحق: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الجمعة: 10]، وقوله - سبحانه -: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك: 15].

وقال - جل ذكره -: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ [الأعراف: 32].

وفي المسند عن رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - قال: ((نِعم المال الصالح للرجل الصالح))، وقال - صلى الله عليه وسلم-: ((أفضل الصدقة ما كان عن ظهْر غِنى)).

ولقد مرَّ رجل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فرأى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جلده ونشاطه، فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن كان خرَج يسعى على ولدِه صغارًا، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوَين شيخين كبيرين، فهو في سبيل الله، وإن كان خرَج يسعى على نفسه يُعِفُّها، فهو في سبيل الله)).

أيها المسلمون:
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "يا أيها الناس، كُتِب عليكم أن يأخذ أحدكم ماله، فيبتغي به من فضْل الله - عز وجل - فإن فيه العبادة والتصديق، وايْم الله، لأنْ أموتَ في شعبتي رحلي وأنا أبتغي بمالي في الأرض من فضْل الله، أحبُّ إليّ من أن أموت على فراشي"، وقال عبدالرحمن بن عوف - رضي الله عنه - وهو أحد العشرة المُبشرين بالجنة: "يا حبذا المال، أصونُ به عرضي، وأتقرَّب به إلى ربي".

معشر المسلمين:
وإذا كان الله - تبارك وتعالى - قد أمَر عباده بالابتغاء من فضْله، وتعاطي أسباب رزقه، ومتنوّع فضله؛ في البيع والشراء، والإجارة والكِراء، والوظائف العامة، وعند المؤسسات الخاصة، وإتقان الصنائع والمِهَن، وأداء الأمانة، والتحقُّق بالنصح وإتقان العمل، والْتِماس فضْل الله وما قسَم لعباده في الاتِّجار والإيجار، وما أودَع من رزقه من القِفار، وأجواف البحار، والصَّفْق في الأسواق، والشركات التي يحصل معها الصِّدق والبيان بعد الاتفاق، فقد قرَّر لهم - سبحانه - حقيقة يقينية من أصول العقائد الحقة، وهي أنه وحْده - سبحانه - هو الرزاق، فلا رازق غيره، كما لا ربَّ سواه، فالرزق كله عنده، وحظُّ العبد منه ما قسَمه؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 58]، وقال - سبحانه -: ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾ [الشورى: 19]، وقال - سبحانه -: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ [الذاريات: 22].

فسمَّى - سبحانه - نفسه الرزاق، وتمدَّح بالرزق، وجعَل ذلك من صفاته العَليَّة، وأفضاله الجليَّة، وأفعاله الحكيمة التي يستحق - سبحانه - الثناء عليها من كلِّ وجه وبكلِّ اعتبار، ويستحق التوحيد والشكر عليها من الأخيار والفُجار، فهو - سبحانه - الذي يُيسِّر الأسباب، ويَفتح للرزق الأبواب، ولقد أثنى الله - تبارك وتعالى - على نفسه بالغنى المُطلق عن جميع الخلْق، وحاجة الخلق إليه، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [فاطر: 15].

وفي الحديث القدسي الصحيح، يقول تعالى: ((يا عبادي، كلكم جائعٌ إلا من أطعَمته، فاستطعموني أُطعمكم، يا عبادي، كلكم عارٍ إلا من كسَوته، فاستكسُوني أَكسُكم...)) إلخ الحديث، وفيه: ((يا عبادي، لو أن أوَّلكم وآخركم، وإنسكم وجِنكم، اجتمعوا في صعيدٍ واحد، فسألوني، فأَعطيت كلَّ واحد منكم مسألته، ما نقَص ذلك مما عندي شيئًا))، وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إخباره عن ربه - تبارك وتعالى - على وجه الثناء عليه، وحثِّ العباد على ابتغاء الفضْل منه، يقول - صلى الله عليه وسلم -: ((خزائنُ الله ملأَى، ويداه سحَّاء الليل والنهار، لا تَغيضها نفقة، أرأيتُم ما أنفَق منذ خلَق السمواتِ والأرض، فإنه لم يَنقص مما عنده إلا كما يَنقص المِخْيَط إذا أُدخل البحر))، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ليَسأل أحدكم حاجته، حتى شِسْعَ نَعْله إذا انقطع))؛ فإنه إن لم يُيسِّر الله، لَم يَتيسَّر.

أيها المؤمنون، ولقد أجمَعت رسل الله - عليهم الصلاة والسلام - المُرسلة إلى كل أُمة، وكُتُب الله المُنزَّلة - على ابتغاء الرزق من الله، وعدم الْتِماسه أو انتظاره من أحد سواه، فالرزق عند الرب الحق، وليس عند أحدٍ من الخلق؛ كما قال إبراهيم - عليه السلام - لقومه: ﴿ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 17].

وفي المأثور عن نبيِّكم - صلى الله عليه وسلم - قوله: ((إن رزق الله لا يَجرُّه حرص حريص، ولا تردُّه كراهية كاره، فاتَّقوا الله وأجْمِلوا في الطلب، ولا يَحمِلنَّكم استبطاءُ الرزق على أن تَطلبوه بمعصية الله؛ فإن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته)).

معشر المؤمنين:
وكما أخبر - سبحانه - عباده أن أمْر الرزق عنده، وأن حظَّ العبد منه ما قسَمه، وحثَّ عباده على ابتغاء فضْله، والشكر له - فقد شرَع لهم وسائل كسْبه، وأباح لهم أسباب تحصيله، وأمرهم بتعاطيها، وابتغاء فضل الله تعالى فيها، وجعَل ذلك من كريم الطلب، ونفيس القُرب، ووعَدهم على ذلك جزيل الثواب، والرزقَ من غير حساب؛ هداية لأُولي الألباب، إلى خير الدنيا وحُسن المآب.

أيها المؤمنون:
وإذا كان دعاء الله تعالى وصِدق اللجأ إليه، وكمال الافتقار إليه، وتعاطي ما أباحه الله وشرَعه من الأسباب، مع حُسن الظن به سبحانه - في طليعة أسباب تحصيل واسع الفضل، وكريم الرزق من الحق، فإن للصلاة - فريضة ونافلة - أثرًا مباركًا في تيسير الرزق المعنوي والمادي وتعجيله؛ قال تعالى: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ [طه: 132].

وفي سنن الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يقول الله تعالى: يا بن آدم، تفرَّغ لعبادتي، أمْلأ صدرك غنًى، وأسُدَّ فقرك، وإن لم تفعل، ملأتُ صدرك شُغلاً، ولم أسدَّ فقرك))، وفي ابن ماجه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: سمِعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((مَن جعل الهموم همًّا واحدًا - همَّ المعاد - كفاه الله همَّ دنياه، ومن تشعَّبت به الهموم في أحوال الدنيا، لم يُبالِ الله في أي أوْدِيتها هلَك)).

وفي ابن ماجه أيضًا عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - سمِعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((مَن كانت الدنيا همَّه، فرَّق الله عليه أمره، وجعَل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِب له، ومن كانت الآخرة نيَّته، جمَع له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتَتْه الدنيا وهي راغمة)).

فتوحيد الله تعالى في الباطن من النية والقصد والافتقار وحُسن الظن، وتوحيد الله في الظاهر بالمحافظة على الصلاة، وفعْل الطاعات، والتقوى بترْك المخالفات، والتوبة إلى الله تعالى من الخطيئات - هي جِماع أسباب الرزق، وموجبات الغنى عن الخَلق، وحسْبُكم قولُ الحق - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2 - 3].

معشر المسلمين:
وكذلكم من أعظم أسباب الرزق: كثرة الاستغفار والإخلاص لله تعالى فيه؛ حيث يتواطأ القلب واللسان والجوارح على ترك الذنوب، والندم على فعْلها خَجلاً من علاَّم الغيوب، والإلحاح على الله تعالى بطلب مَحو إثمها، وصرْف عقوبتها دنيا وآخرة، وما أكرم المطلوب! قال تعالى على لسان نوح - عليه السلام -: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ [نوح: 10 - 12].

وفي المسند بإسناد حسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن أكثَر من الاستغفار، جعَل الله له من كل هَمٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزَقه من حيث لا يَحتسب)).

أيها المؤمنون:
والتوكُّل على الله تعالى بتفويض الأمر إليه، وصِدق الاعتماد عليه، مع الثقة به، وتعاطي ما شرَعه الله - سبحانه - لتحصيل المطلوب واتِّقاء المرهوب - من أكرم الخصال التي يُستجلَب بها الرزق؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3]؛ أي: كافيه.

وفي المسند وغيره بإسناد صحيح إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لو أنكم تتوكَّلون على الله حقَّ توكُّله، لرزَقكم كما يرزق الطير؛ تَغدوا خِماصًا، وتَروح بِطانًا)).

وقال بعض السلف: "توكَّل، تُسَق إليك الأرزاق بلا تعبٍ ولا تكلُّفٍ".

معشر المؤمنين:
وكم لصلة الرحم - أي: القرابة - من أثرٍ مبارك في تيسير الرزق وكثرته، وحلول البركة فيه، ودفْع النِّقمة عنه؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن سرَّه أن يُبسط له في رزقه، وأن يُنسأَ له في أثره، فليَصل رَحِمَه))؛ رواه البخاري، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((تعلَّموا من أنسابكم ما تصِلون به أرحامكم؛ فإن صلة الرحم محبَّة في الأهل، مَثراة في المال، مَنْسأة في العُمر)).

أمة الإسلام:
والإنفاق في وجوه الخير وما أباحه الله تعالى - من أوسع أبواب الرزق؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سبأ: 39]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ [البقرة: 267]، إلى قوله: ﴿ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 268].

وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((قال - تبارك وتعالى -: يا بن آدمَ، أنفِق، أُنفِق عليك)).

أمة القرآن، والحج والعُمرة سببان مباركان في نفْي الفقر وكثرة الرزق؛ قال تعالى في سياق أحكام الحج: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [البقرة: 198]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((تابِعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما يَنفِيان الفقر والذنوب؛ كما يَنفي الكِير خَبَث الحديد والذهب والفضة)).

ترك ما لا يعنيك

0 التعليقات
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي يسر لعباده أسباب السعادة وكتب لأوليائه السيادة وجعل حسن الخلق عبادة، أحمده سبحانه وأشكره على آلائه ونعمه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حذر من سوء الخلق والغدر والخيانة، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أنزل الله عليه قرآناً فيه ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4] تتلى شمائله بالثناء إلى قيام الساعة، فكان على خير خلق وطاعة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة، أما بعد: فاتقوا الله حق تقاته، اتقوا الله الذي لا بد لكم من تقواه، فإن من اتقى الله وقاه وهي التي لا يقبل الله غيرها ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها وإنها خير الزاد في الدنيا والآخرة، وقد تكفل الله لأهلها بالنجاة مما يحذرون والرزق من حيث لا يحتسبون.

أيها المسلمون:
المحاسبة طريق الصلاح، والاشتغال بتقويم النفس سبيل الإصلاح، والمحاسبة والتقويم يتطلبان عزيمة ومثابرة، وجدًّا ومصابرة، ومَنِ اشتغل بما لا يفيد انصرف عمَّا يفيد، والأمانة عظيمة، والمسؤولية جسيمة، والعمر قصير، وأعظم الربح حفظ الوقت، وخير الغنيمة محاسبة النفس. وفي هذا الزمن تكاثرت المشكلات، وتكالبت المغريات والمُلهيات؛ فزاحمت الواجبات ونازعت الأولويَّات. ومن الغريب في طبائع النفوس أنها تتلذَّذ وتسترسل في الخَوْض فيما لا يفيد، وتقطيع الوقت فيما لا ينفع، بل ما أسرعها في تتبع العَوَرات، والاشتغال بالعثرات، والانصراف إلى النقد غير البناء! ولو تأملت وتفحصت لرأيت وأدركت أنه لا يهتم بالصغائر إلا الصغار، ولا يفتش عن المساوئ إلا البطَّالون.

أيها المسلمون:
إن كثيرا من مشكلات الأمة ومآسيها والناس وآلامها ليست في شؤون السياسة، ولا في قضايا الاقتصاد، ولا في تسلط الأعداء، ولكنها في المسؤولية الخاصة على كل نفس ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد: 11] وفي هذا كله - عباد الله - تأملوا هذا الحديث العظيم؛ فهو مقياس الأدب، ودليل الورع، ومنهج المحاسبة، ومظهر التقويم والتقوى: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))؛ رواه أحمد في "المسند" ومالك في "الموطأ"، والترمذي وابن ماجه. قال أهل العلم: هذا الحديث أصلٌ عظيم من أصول تهذيب النفس وتزكيتها، وقد عدَّه بعضهم ثُلُثَ الإسلام، ولقد قالوا: "اجتمع فيه الورع كله"!؛ لماذا عباد الله؟ لأن تَرْك ما لا يعني لا تقوى عليه إلا القلوب السليمة والنفوس الزاكية، نفوس تنطوي سرائرها على الصفاء، فأصحابها في راحة، والناس منهم في سلامة.

أيها المؤمنون:
لقد جاء الدين الحنيف ليسمو بالمسلم، فحثه على التزام الأخلاق الرفيعة، والقيم النبيلة، ونأى به عن سفاسف الأمور، لينصرف إلى ما فيه رفعته وعلوه، ومجده وسموه، يقول نبيكم الكريم - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))، ألا وإن من أخلاق دينكم التي يسمو بها بأفرادكم، ويحفظ بها مجتمعاتكم، ترك الاشتغال بما لا يعني، وهو خلق كريم، يدل على حسن إسلام المرء، كما جاء في الحديث ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) وكلنا يسعى لأن يكون ذا إسلام حسن، وخلق رفيع، فما بال أقوام يأبون إلا التدخل في شؤون الناس؟ إن مما يجمل بالمرء ويزينه، ويجعله شامة بين الناس، أن يدع الخلق للخالق، ويصرف قلبه عما لا يعنيه، فليس من بضاعة المؤمن الأريب، والعاقل اللبيب، أن يشتغل بفضول الكلام، أو يجاري الجهلاء في القيل والقال، فأخلاقه العليا، وقيمه المثلى، تضفي عليه الاحترام وجميل الحياء، فتمنعه من أن يسأل الناس عن مكنون أحوالهم وخاص شؤونهم، وما دخله بتفاصيل حياتهم؟ لقد رزق الله الناس لبيوتهم أبوابا، وجعل على أسرارهم سترا وحجابا، فهذا من ممتلكاتهم التي لا يرضون لها انكشافا، ويرفضون لها تسورا واقتحاما، فإذا داخل الأمر سخرية فالمؤمن أبعد الناس عنه، وقد قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ ﴾ [الحجرات: 11]، لقد جعل الله الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا ويتآلفوا، لا ليسخر بعضهم من بعض، يقول الله تعالى مذكرا بأصل الجميع ومبينا علة وجود الأنساب: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]، إن مما ينافي المروءة ويجافي الحياء أن يعمد البعض - عافاكم الله - إلى تتبع عورات الناس، والبحث عن عيوبهم ومثالبهم، ولربما لفقوا عليهم التهم، وأثاروا حولهم الشبهات، ثم نشروا عنهم الأكاذيب والشائعات؟ أما يستحون؟ أما يفكرون في عاقبة ما يفعلون؟ ألم يقرع أسماعهم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من تتبع عورة أخـيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيـته)) ألا وإن من الجميل ألا يجد هؤلاء في مجتمعنا آذانا صاغية، تستمع لشائعاتهم، وتتقبـل أراجيفهم، فإنكم بحمد الله ممن يعي قول الحق تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6] لقد علمنا ديننا الكريم أن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا، فإذا وقعنا في خطأ أو زلل، فوجدنا من يرشدنا، ويقوم اعوجاجنا، وقدم لنا النصح في ثوب اللطف، مقرونا بأدب جم؛ كان ذلك لنا سرورا، وشكرنا لصاحبه حسن الخطاب، ورجونا له طيب الثواب ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125].
عباد الله:
إن أخلاق الإسلام الفاضلة، إنما هي لسعادة الفرد وراحة المجتمع، تأمـلوا رحمكم الله قول ربـكم جل في علاه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة : 105]، فإذا كان القرآن يأمرنا بأن نترك من ضل بعد أن يؤدي المؤمن ما عليه من نصح وإرشاد، ويطمئنه بأن في ذاك راحته، ولا يضره غوايتهم، فكم من راحة يجنيها لو ترك الناس وخواص شؤونهم؟ إن المتأمـل المتبصر عندما يدع الخلق للخالق يدرك أن في ذلك حفظا لكرامته وكرامة الناس، بل كرامة المجتمع بأسره، فلنحمد الله على نعمة الاستقرار في المجتمع، والأمن في الوطن.

أيها المسلمون:
إن المسلم حين يعي أهمية ترك ما لا يعنيه، ويؤمن بجميل ثمرات هذا الخلق الطيب، لا بد أنه سيحرص على أن يتخلق به، ولا شك أنكم للأفضل تسعون، وفي كريم الخصال والارتقاء بأنفسكم ترغبون، وأنتم تقرؤون قول الله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: 9- 10] فاعلموا - رحمكم الله - أن الوسيلة إلى ذلك أن يشتغل الإنسان بما يهمه وينفعه من أمور معاشه ومعاده، فإن العمر قصير، والناقد بصير، والنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، ولا يتأتى ذلك إلا بتنظيم الوقت التنظيم الجيد، ووضع الخطط الحازمة لحسن استغلاله، فإن من نجح في استغلال وقته وحسن تنظيمه؛ وجد لذلك من الثمرات ما لا يحصى، ولم يكن له في توافه الأمور مقصدا ولا مغزى، فتنصرف نفسه عن السـفاسف، وتتجه إلى المعالي، وما عليه إلا أن يجاهد نفسه ليعودها الاستمرار والمواصلة، فإن من جاهد هداه الله، يقول عز من قائل: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: 69]، وكما لا يخفى عليكم فإن من العادات ما يكتسب بالتعود، وما يأتي مع الزمن بالتدرج، فالعلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، وكم من عادة طيبة صارت طبعا، وجنى الإنسان منها ثمرة ونفعا. فاتقوا الله -عباد الله-، وندع الخلق للخالق، ولنجاهد أنفسنا على أن نذر الناس وخواص شؤونهم، ففي ذلك راحة لنا ولهم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب: 70-71].

بارَك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفَعني الله وإيّاكم بما فيهِ من الآياتِ والذكر الحكيم، أقول ما تَسمَعون، وأستغفِر الله لي ولَكم ولجميع المسلِمين من كلّ ذنب فاستَغفروه، إنّه هو الغفورُ الرّحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، حمدا يوصل الحامد إلى رضوانه. والشكر له على توفيقه وامتنانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيما لشأنه، ومنجية من عقوبته ونيرانه، وجالبة لرحمته وغفرانه. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، دعى من أراد النجاة أن يعمل لها، بقلبه، وجوارحه ولسانه، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، وإخوانه، وسلم تسليما. أما بعد، فاتقوا الله عباد الله تعالى.

أيها المسلمون:
إن من الناس من قد يلتبس عليه قول الحق تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة: 105] فيظن أن عليه أن ينأى بنفسه عن الناس، ويتقوقع في بيته، ويهجر بني مجتمعه، معتقدا أن أمورهم لا تعنيه، ومصالحهم لا تغنيه، وليس الأمر كذلك، فإن الإسلام دين يربي المسلم على أن يكون فردا نافعا، ولبنة حسنة في مجتمعه ووطنه، وإنما نهى الإنسان عما لا يعني المسلم من شؤون الناس الخاصة، أو تتبع عيوبهم ونواقصهم، في الوقت الذي يأمره بأن يكون إنسانا مصلحا، يقوم بواجب النصح والإرشاد، فالنصح من صلب الدين، يقول المصطفى- صلى الله عليه وسلم -: ((الدين النصيحة)) وإنما على الناصح أن يكون مخلصا في نصيحته، متبعا الحكمة والأسلوب الطيب الحسن، فإننا في سفينة واحدة إن لم نأخذ بأيدي بعضنا غرقنا جميعا، فإن كان في المجتمع ظاهرة تحتاج إلى علاج، فليأخذ الناصحون والمختصون بالأساليب العمومية، دون تشهير وإحراج، هذا وإن من النصح للمجتمع أن يسعى الإنسان للصـلح بين الناس، خاصة فيما اشتهر من خصوماتهم، وإن من الخطأ أن يظن بعض الناس أن ذلك تدخلا فيما لا يعني، فقد جعل الله في الصـلح الخير والمنفعة، يقول الله تعالى: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء: 128] ويقول عز وجل: ﴿ لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 114] فاتقوا الله - عباد الله -، وكونوا لبنة صالحة في مجتمعكم، تنأون بأنفسكم عن خواص شؤون الناس، وتسعون بالصلح والإصلاح خدمة لأمتكم.

واعلموا أن من طاعة الله الكبير المتعال، ترك ما لا يعني من الأقوال والأفعال. ثم اعلموا أيها المؤمنون إن من خير الأعمال هذا اليوم الصلاة والسلام على نبيكم محمد كامل الصفات والخصال كما أمركم ربكم ذي العزة والجلال وعليكم الامتثال فقال ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ [الأحزاب: 56 ]صلى الله وسلم عليه وعلى جميع صحبه والآل صلاة وسلاما دائمين الى يوم المآل وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، الأربعة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعنا معهم بعفوك وكرمك ياذا العزة والجلال، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر المسلمين، ووحد اللهم صفوفهم، وأجمع كلمتهم على الحق، واكسر شوكة الظالمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين. اللهم ربنا أحفظ أوطاننا وأعز ولي أمرنا، وأيده بالحق وأيد به الحق يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك أن ترزق كلا منا لسانا صادقا ذاكرا، وقلبا خاشعا منيبا، وعملا صالحا زاكيا، وعلما نافعا رافعا، وإيمانا راسخا ثابتا، ويقينا صادقا خالصا، ورزقا حلالا طيبا واسعا، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أهدنا لأحسن الأقوال والأفعال والأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وأصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، اللهم لا تؤاخذنا بزلاتنا اللهم وفقنا لحفظ جوارحنا عامة، وألسنتنا خاصة وأعمالها فيما يرضيك، وإبعادها عن طريق سخط ومعاصيك.

لا إله إلا أنت تفعل ما تريد، لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء والعبيد، لا إله إلا أنت أنت الغني الحميد اللهم يا من عمَّ برزقه الطائعين والعاصين، وعمّ بجوده وكرمه جميع المخلوقين، جد علينا برحمتك وإحسانك، وتفضل علينا بغيثك ورزقك وامتنانك، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهُمَّ اسْقِنَا غيثاً مغيثاً، غدقاً مغدِقا مونقاً، هنيئاً مريئاً، مريعاً مُرتعًا مُربعًا، ربيعاً طبقًا مجلِّلا، نافعاً غيرَ ضارٍّ، عاجلاً غيرَ رائثٍ، اللهم تحيي به البلادَ، وتغيث به العباد، وتجعله بلاغاً للحاضر منا والباد، اللهم سقيا رحمة، اللهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق، اللهم اسقنا واسق المجدبين، وفرّج عنا وعن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أجمعين، اللهم اسقنا واسق المجدبين، وفرج عنا وعن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أجمعين ﴿ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201] ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 286] ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ * وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ ﴾ [الصافات: 180: 182].

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/1067/62938/#ixzz2lSq7r0DL

طرق إصلاح الأمة عند الفتن

0 التعليقات
ألقى فضيلة الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "طرق إصلاح الأمة عند الفتن"، والتي تحدَّث فيها عن الفتن التي ملأت أرجاء الدنيا في هذه الآونة، وبيَّن أبرز أسبابها، مع التنبيه على أهم طرق الإصلاح في هذه الفتن المُدلهِمَّة.

الخطبة الأولى
الحمد لله، الحمد لله الذي وسِعَ كل شيءٍ رحمةً وعلمًا، وأفاضَ على خلقه من خزائنه جودًا وكرمًا، لا نفادَ لفضله، ولا انقطاع لمعروفه أبدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الإلهُ الحقُّ المعبودُ في الأرض والسما، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله أفضلُ الخلق عربًا وعجمًا، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه الذين نصروا الدين ببذلِ النفوس والأموال والأولاد، ففازوا بخيرَي الدنيا والآخرة، وبصَّروا الناس بالحق والهدى بعد العمى.

أما بعد:
فاتقوا الله - عز وجل - بالمُسارعة إلى أمره، واجتناب نهيِه؛ يُصلِح لكم أعمالكم، ويُحسِن لكم عواقِبَ أموركم، ويرفع درجاتكم.

عباد الله:
حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزَن الأعمال، واستعدُّوا لما أمامكم من الأهوال؛ فمن حاسبَ نفسَه خفَّ حسابُه، وضاعفَ الله له ثوابَه، ومن اتبعَ هواه كثُرت سيئاتُه وقلَّت حسناتُه، وأرداه الهوى باتباع الشهوات في حضيض الدركات، قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: 28]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [طه: 15، 16]، وقال تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص: 50]، وقال تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [الجاثية: 23].

فالمُتَّبِع للهوى المُعرِض عن السنة المُخالفُ للهدي المحمدي قد أهلك نفسَه، وأفسَد قلبَه، وأفسدَ في الأرض، قال الله تعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [المؤمنون: 71]، وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة: 204، 205].

وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تُعرضُ الفتنُ على القلوبِ كعرض الحصير عودًا عودًا، فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها نُكِتت فيه نُكتةٌ سوداء، وأيُّ قلبٍ أنكرها نُكِتت فيه نُكتةٌ بيضاء، حتى تعود القلوبُ على قلبين: قلبٍ أسود مربَّاد كالكوزِ مُجخِّيًا، لا يعرفُ معروفًا ولا يُنكرُ منكرًا إلا ما أُشرِب من هواه، وقلبٍ أبيض مثل الصفا لا تضرُّه فتنةٌ ما دامت السماوات والأرض»؛ رواه مسلم.

ومعنى قوله: «أسود مربَّاد» أي: تراكَمَت عليه الخبائث، فاستحالَ لونُه إلى لونٍ قبيحٍ.

ومعنى: «كالكوزِ مُجخِّيًا» أي: منكوسًا، لا يصِلُ إليه الهدى كما أن الماء لا يصِل إلا الكوز المنكوس.

ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إلا ما أُشرِبَ من هواه» أي: أن هذا القلب مُتبِعٌ لهواه، فالمعروف ما أحبَّه هواه، والمنكرُ ما أبغضَه هواه، لا يزِنُ الأمورَ بميزان الشرع الحنيف ولا القرآن ولا السنة.

والفتنُ التي تُعرضُ على القلوب: فتنُ الشهوات، وفتنُ الشُّبهات، والبدعُ والضلالات، والفرقُ بين القلب الحي والقلب الميت كالحي والميت.

والفِرقُ التي ظهرت في هذه الأمة الإسلامية سمَّاها السلفُ الصالح أهلَ الأهواء؛ لاتباعهم الأهواء، ومُجانبتهم هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما كان عليه الصحابة - رضي الله عنهم - من الاعتقاد الصحيح، والتمسُّك بالعدل والوسطية.

وقد وقع ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «افترقَت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقة، وافترقَت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترقُ هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلا واحدة». قيل: من هي يا رسول الله! قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي».

وأولُ فرقةٍ ظهرت فرقةُ الخوارج الذين كفَّروا الصحابة وقاتلوهم، وخرجوا على الخليفة الراشد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وعمَدوا إلى آيات وأحاديث في الكفار فتأوَّلوها على المسلمين، وضلُّوا في فهم الأدلة، وفسَّروها على غير وجهها الصحيح، فاستحلُّوا الدمَ الحرام والمالَ الحرام، وكفَّروا من شهِدَ الله له بالإيمان؛ فانفتَحَ على الأمة الإسلامية بابٌ من الفتن لا يُغلَق إلا بقوة السلطان، وبأدلة السنة والقرآن، كما فعل الصحابة - رضي الله عنهم - بهذه الطائفة التي ذمَّتها أدلةُ الكتاب والسنة؛ مثل: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «سيخرج قومٌ في آخر الزمان حُدثاءُ الأسنان، سُفهاءُ الأحلام، يقولون من قولِ خير البرية، يقرأون القرآن لا يُجاوِزُ إيمانُهم حناجِرَهم، يمرُقون من الدين كما يمرُقُ السهمُ من الرمِيَّة»؛ رواه البخاري ومسلم من حديث علي - رضي الله عنه -.

ثم ظهرت بقيةُ الفِرق في الأمة، ولكل فرقةٍ وارِث إلى ما شاء الله تعالى.

ومن أسلمَ قِيادَه للهوى، وساقَه الشيطان فلا تسأل عن هلَكَته، ومن تاب تابَ الله عليه، ومن اعتصمَ بالقرآن والسنة فقد هُدِي إلى صراطٍ مستقيم.


أيها المسلمون:
أمَا وقد استبانَ خطرُ الأهواء، وعُلِمَ أضرارُ البدع المُحدثَةِ التي تهدِمُ الدين، وشاهدَ المسلمون دمار المجتمعات بارتكابِ المُحرَّمات، واتباع الشهوات؛ لم يبقَ طريقٌ مُنجٍ إلا الصراط المستقيم، ولن يحمِيَ الأمة إلا التمسُّك بالكتاب، ولن يجمع القلوب إلا الحق، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران: 101]، وقال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: 103].

وعن العِرباضِ بن سارية - رضي الله عنه - قال: وعَظَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظةً بليغة ذرفَت منها العيون، ووجِلَت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظةُ مودِّعٍ، فأوصِنا، قال: «أُوصيكُم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبدٌ حبشيٌّ، فإنه من يعِش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسَّكوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجِذ، وإياكم ومُحدثات الأمور؛ فإن كل مُحدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة»؛ رواه الترمذي، وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيح".

ولقد أتى على أمةِ الإسلام أزمنةٌ أصابَها فيها فتنٌ وخُطوبٌ وكروبٌ وأمورٌ عِظام، لم يُنقِذها الله منها غلا بالرجوع لدينها والتمسُّك بهدي نبيها محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فاستقبَلَت حياتَها قويةً مُتعاوِنة مُتحابَّة، مُصلِحة، عزيزة الجانب، مُتمسِّكةً بشرع الله تعالى، وفي هذا الزمان أصابَها من الفتن والشدائد والبلاء ما ترون وتسمعون.

ودرءُ الأخطار عن أمة الإسلام، والسعيُ في الإصلاح، وحقنُ دمائها مسؤوليةُ وُلاة أمور المسلمين وعلمائهم ومُفكِّريهم وعُقلائهم، ولن يُصلِح آخرَ هذه الأمة إلا ما أصلحَ أولَها.

وأهمُ الأمور في طريق إصلاح الأمة: تحقيقُ توحيد لرب العالمين؛ فالتوحيدُ الخالصُ لله تعالى أساسُ الأعمال، وأساسُ كل إصلاح، وأساسُ الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، وقد فسَّر التوحيدَ أهلُ البدع والضلال بما كان عليه المُشرِكون في الجاهلية، فسمَّى دعاءَ الموتى، والاستغاثةَ بالصالحين، ورفع الحاجات لهم، وطلبَ الخيرات، ودفعَ الشرور والكُرُبات من أهل القبور، وصرَفوا للموتى والصالحين النُّذور، وسجدوا وطافوا بهذه القبور، فسمَّى أهلُ البدع ذلك كلَّه توسُّلاً وطلبًا لشفاعتهم، وذلك كلُّه إبطالٌ للتوحيد، ودعوةٌ للشرك بالله - تبارك وتعالى -.

وللأسف أنهم يستدلُّون بآياتٍ هي دليلٌ عليهم لا دليلٌ لهم؛ مثل: قوله - تبارك وتعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة: 35]، والوسيلةُ هنا التي أمرَ الله بابتغائها: هي كلُّ عملٍ صالحٍ يتقرَّبُ به العبدُ إلى الله تعالى مما شرعَه الله وشرَعَه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما دلَّ على ذلك آيةٌ أخرى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء: 57].

قال الله - تبارك وتعالى - في هذا الشرك الذي سمَّوه توسُّلاً، والذي يُخلِّدُ صاحبَه في النار، قال الله تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: 18]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس: 106، 107].

والشفاعةُ حقٌّ؛ فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يشفَع، والصالحون يشفعون، ولكن الشفاعة لأهل التوحيد لا للمُشركين، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أحقُّ الناس بشفاعتي: من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه»؛ رواه البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

الأمر الثاني مما يُصلِحُ الله به الأمة ويدفعُ عنها النوازِل: إقامةُ الصلاة كاملة الأركان والواجبات والأفعال والأقوال، قال - صلى الله عليه وسلم -: «صلُّوا كما رأيتُموني أُصلِّي»؛ رواه البخاري ومسلمٌ من حديث مالكِ بن الحُويرِث - رضي الله عنه -.

ولو قارنَ كلُّ مسلمٍ صلاتَه بصلاة رسول الله - عليه الصلاة والسلام - لظهرَ له النقصَ في صلاته؛ فعلى كل مسلمٍ أن يُكمل النقصَ في صلاته، وسيرى صلاحَ ذلك في أحواله كلها.

الأمرُ الثالثُ مما يُصلِحُ الله به الأمة: الحكمُ بشرع الله في مُجتمعات المسلمين؛ فما أفسدَ أحوالَ المُجتمعات الإسلامية إلا القوانينُ المُستوردة، قال الله تعالى: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: 50].

وقد رأينا كلَّ خيرٍ في بلادنا بتحكيم الشريعة الإسلامية، أدامَ الله حُكمَها، وما حمانا الله من عواصفِ الفتن المُدمِّرة إلا بشريعتنا الغرَّاء السَّمحَة العادلة الشاملة.

أيها المسلمون:
إن كل مسلمٍ ضائقٌ صدرُه بما يجري من الفتن وسفك الدماء في تلك البُلدان التي أُصيبَت بهذا البلاء - ولا سيَّما في سوريا -، فنُنكِر سفكَ دماء المسلمين، وهدمَ مساجدهم، واعتقالَهم بغير حقٍّ، وكلُّ أحدٍ على وجه الأرض مما له عقلٌ يستنكِرُ ما يقومُ به حُكَّامُ سوريا ضدَّ شعبٍ أعزل، وكان العقلُ والشهامةُ وكرمُ الطبع يُوجِبُ أن يستجيبَ حُكَّامُ سوريا لنداء خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - لإيقاف هذا النزيف الدموي، والانتهاء من إبادة الشعب السوري؛ ما له من الفضل عليهم في المواقف الصعبة التي مرُّوا بها، ولكن تمادَوا في الظلم والعُدوان، وسفَكوا الدمَ الحرام، وانتهَكوا الحُرمات، وهدَموا المساجد.

فجزى الله خادمَ الحرمين الشريفين على كلمته التي سيبقى صدَاها يُندِّدُ بسفك الدماء والإرهاب، فكما أن الإسلام يقِفُ في وجه إرهاب الفرد الظالم المُعتدي، كذلك يستنكِرُ ويُندِّد بإرهاب الدولة.

ونرجو الله أن يُوفِّقَ خادمَ الحرمين الشريفين الملكَ عبد الله بن عبد العزيز، وقادةَ العالم الإسلامي لمُواصلة الجهود والعمل بالطُّرق المناسبة لإيقاف هذه الإبادة للشعب السوري؛ فالأمرُ لا يُطاقُ السكوتُ عليه.

فادعُوا الله - تبارك وتعالى - أن يُخرِج المسلمين من كُرباتهم ومِحَنهم، وأن لا يُسلِّطَ عليهم من لا يخافُ اللهَ فيهم ولا يرحمُهم من هؤلاء الظالمين المُعتدين وأمثالهم ممن لا يخافُ اللهَ - تبارك وتعالى -، ولا يرقُبُ في مؤمنٍ إلاًّ ولا ذمَّة، ولا يشعرُ بصلةٍ بينه وبين المسلم.

قال الله - تبارك وتعالى -: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ [النور: 31]، وقال - تبارك وتعالى -: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: 71].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله -، اتقوا الله حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى.

أيها المسلمون:
إن كل مسلمٍ لو فكَّر في حسناته وفكَّر في سيئاته، وأن عليه من الله حافظًا يكتب سيئاته كما يكتُب حسناته، ﴿ ولا يظلِمُ اللهُ مثقالَ ذرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 40]، لو فكَّر في أن الله - تبارك وتعالى - يكتبُ ما يعمل لقلَّت سيئاتُه، وكثُرت حسناتُه؛ فإنه إذا حاسبَ نفسَه قلَّ حِسابُه، ويسَّر الله له الحساب، ويسَّر عليه كل شيء، قال الله - تبارك وتعالى -: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18]، وقال - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار: 10، 11].

وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: «إن اللهَ كتبَ الحسنات والسيئات»؛ رواه البخاري ومسلم.

عباد الله:
إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال - عزَّ من قائل -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].

فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.

اللهم وارضَ عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين.
اللهم انصر دينَك وكتابَك وسنةَ نبيِّك.
اللهم أعِذنا وذرياتنا من إبليس وذريته وشياطينه، اللهم احفظنا وذرياتنا من إبليس وشياطينه وجنوده يا رب العالمين، إنك على كل شيءٍ قدير، اللهم أعِذ المسلمين وذرياتهم من إبليس وشياطينه وجنوده يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم وُلاةَ أمورنا.
اللهم وفِّق عبدكَ خادمَ الحرمين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك يا رب العالمين، اللهم انصُر به دينَك، وأعلِ به كلمتَك، اللهم أعِنه على ما فيه الصلاحُ لشعبه والخيرُ للمسلمين يا رب العالمين، اللهم وفِّق نائبَيه لما تحبُّ وترضى، ولما فيه عزُّ الإسلام وصلاحُ البلاد والعباد، إنك على كل شيء قدير، يا رب العالمين.
اللهم اغفِر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، واغفر لنا ذنوبنا.
اللهم أحسِن عاقبَتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خزيِ الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم إنا نعوذ بك من سوء القضاء، ومن شماتة الأعداء، ومن درَك الشقاء، وجَهد البلاء، اللهم إنا نعوذُ بك من شماتة العباد.
اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين، اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين، اللهم أعِذنا من شرور أنفسنا، وأعِذنا من شرِّ كل ذي شرٍّ يا رب العالمين.

عباد الله:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: 90، 91].

واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

جميع الحقوق المحفوضة لدى كلفين للمعلوميات 2013 - 2014 | © كلفين للمعلوميات عدد الزوار المتواجدين حاليا بالموقع

back to top